وهبة الزحيلي

161

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يرسل اللّه إليهم رسلا منهم ، بل الرسل جميعا من البشر ، وهم كالبشر منهم المؤمن المثاب ، ومنهم الكافر المعاقب . ونظير الآية قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ . . الآية [ الأحقاف 46 / 29 ] . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ، فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً أي إن هذا القرآن يرشد إلى الحق والصواب ومعرفة اللّه تعالى ، فصدقنا به أنه من عند اللّه ، ولن نشرك مع اللّه إلها آخر من خلقه ، ولا نتخذ إلها آخر ، وهذا إعلان منهم للإيمان أمام قومهم حين رجعوا إليهم ، كما جاء في تتمة آية الأحقاف السابقة : قالُوا : أَنْصِتُوا ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . وفي الآية دلالة أن أعظم ما في دعوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : توحيد اللّه تعالى ، وخلع الشرك وأهله . وقد آمنت الجن أن القرآن كلام اللّه ، بسماعه مرة واحدة ، ولم ينتفع كفار قريش ، لا سيما رؤساؤهم ، بسماعه مرات ، مع كون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منهم يتلوه عليهم بلسانهم . 2 - وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً وأنه ارتفع عظمة ربّنا وجلاله ، أو فعله وأمره وقدرته ، وأنه تعاظم عن اتّخاذ الصاحبة والولد ، كما يقول الكفار الذين ينسبون إلى اللّه الصاحبة والولد . والمعنى أنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك باللّه ، نزهوا الرّب جلّ جلاله حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتّخاذ الصاحبة والولد . وبذلك أثبتوا وحدانية اللّه وامتناع وجود شريك له ثم أثبتوا له القوة والعظمة ، ونزهوه عن الحاجة والضعف باتخاذ الصاحبة والولد ، شأن العباد الذين يتعاونون على أمور الحياة بالزوجة للسّكن والألفة ، وبالولد للمؤازرة والتكاثر والأنس . 3 - وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً أي وإن مشركي الجن